غصن الزيتون والبندقية // ANONYMOUS

إستيقظ رؤوف من سباته على صوت صفارات الإنذار. ولكن من أين أتت؟ لا يوجد صفارات إنذار في الأحياء الفقيرة التي تقع خارج الحائط العازل.

إتضح لرؤوف، وهو في حالة بين النوم العميق واليقظة الشديدة، أن صفارات الإنذار هي صوت أمه وهي تنادي:

"رؤوف!

يا رؤوف!

قصف! قصف! قص-

قبل أن تستطيع أن تكمل أم رؤوف كلامها ، ساد الصمت بعد أن وقع إنفجار ضخم، من سمعه قد يعتقد أن الهزّة التي خلفها وصلت- بتقدير العاقل- رابع السماوات السبع.

كان رؤوف وحيد أمه وأبيه، يسكن معهما في بيت شديد التواضع يقع خارج الحائط العازل. كانت هنالك شجرة زيتون تقع تماماً أمام نافذة ديار رؤوف، قد زرعها أباه يوم أخذ رؤوف أول إستنشاقة له في هذه الدنيا، يوم يقع في أكثر أيام الربيع ربيعاً.

كانت الرياح، في هذا اليوم، لطيفة بشدة. برودتها تقع على المرء كالبشرى السارة، لا تقسو على العظام ولا يقشعر لها البدن.

إستيقظ رؤوف من سباته، وفي هذه المرة كان هذا السبات نتيجة إنهيار دياره على رأسه. تفقد أعضاء جسمه واكتشف أنها على ما يرام، من النظرة الخارجية على الأقل. لم تبتر له ساق أو ذراع، ولا زالت أصابعه كلها موجودة، حتى التي على أقدامه الحافية. كان الخدر منتشر في جميع أنحاء جسمه، يخطو خطو النملة من قمة رأسه إلى نهاية أطراف أصابع قدميه. لحظة أن حاول التحرّك، زال الخدر كالقماش الخفيف الذي يزال من على فوق الطاولة، وبعث دماغه لجسمه صفارة إنذار من نوع آخر، كانت نوعاً ما كصعقة الكهرباء التي جعلته يتيقن أن بدنه ليس على ما يرام.

أزاح الأنقاض من فوقه وأدار بنظره يمينا ثم شمال تجاه زوايا البيت الصغير، عذراً، ما تبقى من البيت الصغير، ولم يرى غير الظلام. تحول البيت إلى رماد وظل حائط واحد هو الوحيد الذي لا يزال واقف على قدميه. حاول أن يطلق من حنجرته صوتاً ينادي به أمه وأباه، وعندما تحركت شفتاه، حسّ رؤوف فقط بذبذبة صامتة خفيفة تنبعث من حنجرته، وعندها لاحظ كيف كان السكوت يخلد بثقل شديد فوق سمعه.

عبر فوق أنقاض سقف بيته الذي بات الآن يتوسّد الأرض تحت قدميه، وعندها خطفت عينه لمحة ذراع مخّتمة بخاتم نحاسي مطلي بالذهب، منبعثة من بين أنقاضٍ مصفوفة فوق أنقاض. حسّ رؤوف بوخزة في حنجرته، أخذت طريقها لمنتصف صدره مع إبتلاع الريق. تحولت هذه الوخزة إلى حرارة شديدة تكاد أن تذيب جلده وتنبعث من جميع أنحاء جسمه المغطى بالدم والغبار والملابس الممزقة.

إلتفت رؤوف ورأى مسباح ملقى على الأرض، غارق في بقعة من الدم، وحينها أدرك أن أمه وأباه قد فارقاه وإرتحلا إلى مكان آخر، مكان لا يوجد فيه صفارات إنذار، ولا حائط عازل. وقف أمام النجمتين الهاويتان اللتان يغطيهما السقف المنقض، بصمت.

"صدق الله العلي العظيم"

وجد رؤوف رفش والده في مكان ما تحت الأنقاض، وبعدما أكمل دفن والديه، أخذ يحفر البقعة المقابلة لشجرة الزيتون، التي لم يتبقى منها إلا غصن واحد. عندما سمع صوت الرفش يصطدم بشيء ما تحت التراب، بعث يده في داخل الحفرة وإجتث البندقية. أمسك بغصن الزيتون ورماه في النيران التي إشتعلت نتيجة الضوء الذي هوى فوق سقف دياره وأسرى بأمه وأبه إلى المكان الذي يخلو من صفارات الإنذار.

أمسك رؤوف بالبندقية وخطى خطواته تجاه الحائط العازل.